ابن عربي
83
مجموعه رسائل ابن عربي
أوغل العارف في العمق تناولته الألسنة أو استغرقت في فهمه عن طريق الذوق لا عن طريق العقل ، وهو أمر مقرر في أصول النقد الأدبي . والشيخ الأكبر كان أعمق العارفين صعودا بالإجماع . ولكنه حاول أن يترجم مشاهدة في منطقة انقطاع جميع الأسباب ، والحيرة والعجز عن تصوير الذات الأقدس بأي صورة من الصور . فكل ما خطر ببالكم فهو هالك واللّه بخلاف ذلك ، هذه عقيدة الصوفية وقمة إيمانهم الذي يمكن تصويره ، ولم يقم دليل على أن الشيخ الأكبر كان منحرفا عن هذه العقيدة بأي حال من الأحوال . وأي كلام يترجم به الصوفي الأصيل معارفه فإنما هو ترجمه لخواطره المفاضة من حضرة الغيب على ما دونها من الحضرات النسبية ، وإذ جاز معرفة هذه الحضرات فهي معرفة إحساس مفصل بأسرار الكون وبارىء الكون الأعظم . أما إذا استشرف العارف على المشهد الذاتي من بعيد فإنه يعجز حتى تنعدم كل قواه المدركة إلّا خيطا وهميا من الحياة يشهد بها القيوم على الحياة . وقد عبر الصوفية عن هذا المشهد بالاحتراق ، وشهود الهوية والإصطلام والبهت ، ووحدة الشهود ووحدة الوجود ، وكل نظر إلى الوحدة من غير هذا الطريق لا يعول عليه عندهم ، بل هي تعبيرات فنية اصطلحوا عليها للتعبير عن لذة لا تعدلها لذة في هذا المشهد الأقدس . إنها تعبير عن إحساسهم وليست تعبيرا عن حقيقة الذات الأقدسية ، إنها نظر بالقلب إلى أصل الوجود الفعال لما يريد ، الشهيد غير المشهود ، فلا خطر في أن يتكلم أي باحث من هذه المنطقة بشرط أن يكون حديث الروح المدربة ، لا حديث العقل . إن العقليين أقحموا أنفسهم في هذا المجال فصوروه بالعقل ، فضلوا وأضلوا وهاجمتهم الزندقة من كل جانب . والصوفي نفسه إذا رقى إلى هذا المقام وفيه بقية من نفسه وأهوائها فإنه يضل ويشقى ما في ذلك من جدل . ولا عار في استعمال العقل وحده ، إذ كان عقلا غير واقع تحت سيطرة الهوى والفردية ، ولكن العار في استعمال العقل المشوب بالهوى والفردية ، لأنه يتجاوز حدود العرف واللياقة في سبيل تحقيق هواه وفرديته . ومن الناقدين عقلي مستقيم الخطة والطبع ، مؤمن بكل مواهبه وراء العقل ، ذكي الطبع يميز الزائف من الجيد . ولا خلاف بين هؤلاء والصوفية في مختلف المجالات . ومن هذا الباب ينضوى تحت رواق الصوفية آلاف المثقفين في كل